تونس: خلق مواطن الشّغل وصناعة المواطنة!

إيناس العامري, 04 أغسطس/آب 2016

يعدّ تعزيز بيئة (ecosystem) ريادة الأعمال والانفتاح على تطورات جديدة في الاقتصادات الرقمية في تونس، فضلا عن إشراك الشباب المهمّش عبر تحسين مستويات تعليمه، من القنوات الرئيسية للتغلب على معدّلات بطالة الشباب المرتفعة وإعادة هيكلة اقتصاد تونس وإنعاشه على المدى القصير والطويل. من هنا، فإنه من الضروري فتح الأبواب والسبل أمام الأجيال الحالية والمستقبلية في سوق الشغل ضمن بيئة تشرك الجميع في خلق الثروات، وهو أمر يجب أن يندرج ضمن الأولويات القصوى لسياسات الحكومة الحالية.

 

حتى الوقت الراهن، لم تظهر في تونس وعلى مرّ الحكومات الأخيرة المتعاقبة بعد الثورة– رغم بعض السياسات القصيرة المدى لإصلاح الوضع الاقتصادي– أية دلائل قوية تفضي إلى تغيرّات اقتصادية حقيقية. ولكي يتحقق ذلك، يتوجب على الحكومة أن تحدّ من تدخلّاتها وأن تفسح المجال أمام القطاع الخاص لكي يزدهر ويبتكر ويتوسع. هذا ومن المهم التنويه أنّ مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي الوطني تراجعت من قرابة 70% قبل الثورة[1] إلى نحو 63% في العام 2015 [2]، مما يعكس سيطرة الدولة على الاقتصاد والذي يعتمد إلى حدّ كبير على القطاع العام ويبقيه منعزلا عن ديناميات الاقتصاد العالمية. إلى جانب هذا، فقد وصلت معدلات البطالة إلى أعلى مستوياتها في العام 2011، حيث سجلت 18.3%، إلا أنها عادت وانخفضت إلى 15.9% في العام 2013 ثمّ 14.8% في العام 2014، ثم ارتفعت مجددًا وبشكل طفيف إلى قرابة 15.4% في الربع الأول من العام 2016[3]. وفي العام 2014 أيضًا، سجّلت نسبة البطالة لدى الشباب ارتفاعًا ملحوظًا وصل إلى 31.8%[4]، ممّا زاد من مخاطر مضاعفة الاضطرابات الاجتماعية الناجمة عن تدنّي فرص العمل وساهم في تعزيز الأسباب التي تدفع بالشباب إلى التطرف المحلي العنيف. كل هذا الوضع السلبي يعكسُ عدم قدرة الحكومة في معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة في ظل أعباء أطر قانونية ومالية مرهقةٍ تعرقل نموّ مجالات جديدة في القطاع الخاص وانعدام الرغبة في تطوير استراتيجيات وطنية وسياسات تحدث تغييرًا هيكليًا في الاقتصاد التونسي.

 

إضافةً إلى ذلك، زادت نظم التعليم والتدريب البعيدة عن الواقع الاقتصادي من تفاقم الوضع. فقد أثبت النظام التعليمي الحالي فشله من خلال عدم قدرته على تجهيز مواطني اليوم للدخول في الاقتصاد التونسي. ولم تعد الشهادات الأكاديمية، ببساطة، تشكل ضمانةً لوظيفة جيدة. كذلك، ثمة اختلاف واضح بين أنواع الموارد البشرية التي يتطلبها سوق العمل وما تنتجه النظم التعليمية والمهنية من موارد بشرية. بالتالي، فإنه يجب إعادة النظر في المناهج الدراسية بغية تجهيز القوى العاملة المستقبلية بالخبرة المطلوبة. كما أنه من الضروري التدريب والتشجيع على المهارات غير التقنية ومنها التواصل والكتابة الإبداعية والريادة والتفكير النقدي والتخطيط الاستراتيجي وتسويق الذات والخطابة العامة، فضلا عن ضرورة امتلاك النظام التعليمي الحالي القدرة على تحضير أولادنا لخوض غمار الحياة بما يمكّـنهم أن يصبحوا روّاد أعمال وقادة.

 

وفي ظل هذه الحقيقة المرّة، تعاني تونس من "هجرة الأدمغة". فبحسب تقرير التنافسية العالمي 2015-2016، احتلت تونس المرتبة 133 بين 140 دولة في ترتيب "كفاءة سوق الشغل" ضمن مؤشر التنافسية العالمي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2015-2016[5]. مرة أخرى، كانت مرتبة تونس متدنية، حيت احتلت المرتبة 118 من أصل 140 دولة، وذلك في القدرة على الحفاظ على المواهب، والمرتبة 124 في القدرة على جذب المواهب. وعلى الرغم من أن ذلك يمثّل صفارة إنذار،إلا أنه يظهر وجود العديد من الثغرات في مجالات التنمية والتي يمكن ملؤها في حال الشروع باستثمار جدّي لتشجيع ريادة الأعمال والتصدي للعقبات التي تعترض المشاريع الصغرى والمتوسطة.

 

إن البيئة الاقتصادية  في تونس، ولكي تنجح فعليًا في تحقيق نقلة نوعية، بحاجة إلى أن تسمح بالمنافسة الخالية من الروتين الإداري البيروقراطي وأن تخضع لنظام ضريبي منصِف وتتيح الولوج إلى الأسواق ورؤوس الأموال بسهولة أكبر.

 

ومع ذلك، فلا توجد حاجة كبيرة لبناء الصناعات الجديدة؛ إذ أن توسيع وتحسين القطاعات الحالية والتقليدية، مثل الفلاحة والصناعات الزراعية والطاقات المتجددة، من شأنه أن يعزّز نموّ الاقتصاد التونسي. والأهم من ذلك، تبقى الحاجة إلى الاستثمار في أسواق جديدة وفي إيجاد شركاء اقتصاديين جدد إلى جانب الدول الأوروبية من أهم القنوات؛ فزيادة الصادرات التونسية إلى الدول الآسيوية، مثل الصين والهند، وإلى الأميركيتين، سيكون لها تأثير اقتصادي قوي. أما الأكثر ملائمة وإلحاحًا، فهو الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية التي تتمتع بها الدول المجاورة لتونس، حيث يمكن للجزائر وليبيا وموريتانيا والمغرب وتونس، مع عدد سكانها الإجمالي الذي بلغ 95.6 مليون نسمة في عام 2015[6]، أن تزدهر معًا ككتلة اقتصادية وأن تخلق بالتالي فرصًا اجتماعية واقتصادية وذلك على الرغم من الوضع الاقتصادي العالمي المتداعي. وفي حال التركيز على التعاون ما بين بلدان الجنوب في هذه المنطقة، يمكن لبلدان المغرب العربي أن تشكل منطقة سياسية واقتصادية مهمة وذات نفوذ.

 

وفي هذا السياق، ينبغي على الحكومة التونسية أن تركّز جل اهتمامها مستقبليًا على تعاون اقتصادي بين بلدان المغرب العربي. بمعنى آخر، ستتمتع تونس بفرص أفضل لازدهار اقتصادها إذا ما فتحت حدودها، بالمعنى الحرفي، أمام منتجات المغرب العربي. ولا شك أن مثل هذه الاتفاقيات بإمكانها توفير الأمان الاقتصادي اللازم في حال نشوب أزمة اقتصادية مستقبلية في الاتحاد الأوروبي ومن الممكن لها أن تؤثر سلبًا على الاقتصاد التونسي. في الواقع، وبالنظر إلى حالة خروج بريطانيا- بريكست /-Brexit من الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من عدم وجود تأثير مباشر وآني لها على الاقتصاد التونسي، يرى العديد من الخبراء أنه سيكون لها تداعيات غير مباشرة على المدى المتوسط والبعيد.

 

باختصار، إن القطاعين الاقتصادي والتعليمي متشابكان. ولهذا السبب، على الحكومة التونسية أن تتبنّى الإصلاحات المستقبلية وتشرع في تنفيذها، في القطاعين المذكورين على حد سواء، وذلك بغية معالجة العوائق المتعلقة بالأطر القانونية والموارد البشرية الموجودة وبيئة العمل ككل. في موازاة ذلك، إن تحسين مستوى العلاقات التجارية وتبادل الخبرات بين بلدان المغرب العربي – وخاصة المغرب الأوسط (الجزائر والمغرب وتونس) – يعدّ مسارًا رئيسًا لخلق المزيد من الديناميات في مجال سوق الشغل.

 

هذه المدونة كتبت أصلاً باللغة الانكليزية

 

[1]MAC SA، 2013. القطاع الخاص التونسي، مواجهة الواقع المر. وسيط في البورصة،قسم الأبحاث، [Online]. أيار/مايو 2013. متوفر على الرابط التالي: http://www.macsa.com.tn/Downloader?sn=13055.

[2]Instauring an Advocacy Champion for Economy (IACE)، 2016. القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي: الميزانية. المنتدى الاقتصادي التونسي،[Online]. متوفر على الرابط التالي: http://www.iace.tn/wp-content/uploads/2016/04/after_event/La%20Comp%C3%A9titivit%C3%A9%20de%20l%E2%80%99Economie%20Tunisienne-Le%20bilan.pdf

[3]المعهد الوطني للإحصاء، تونس. 2016. [Online] متوفر على الرابط التالي:http://www.ins.tn/fr/themes/emploi#sub-374.]تمّ الدخول إلى الموقع في 22 تموز/يوليو 2016[.

[4]البنك الدولي. 2016. قاعدة بيانات مؤشرات التنمية العالمية. [Online] متوفر على الرابط التالي: http://www.worldbank.org/. ]تمّ الدخول إلى الموقع في 22 تموز/يوليو 2016[.

[5]المنتدى الاقتصادي العالمي 2015. تقرير التنافسية العالمي 2015-2016. متوفر على الرابط التالي:http://www3.weforum.org/docs/gcr/2015-2016/Global_Competitiveness_Report_2015-2016.pdf

[6]الأمم المتحدة. 2016. التوقعات السكانية في العالم، شعبة السكان. [Online] متوفر على الرابط التالي: https://esa.un.org/unpd/wpp. ]تمّ الدخول إلى الموقع في 10 نيسان/أبريل 2016[.

 


إيناس العامري نائب الأمين العام/مديرة المنتدى الاقتصادي المغربي، وهي مؤسسة بحثية مقرها تونس، ومؤسِسة منظمة الإرادة والمواطنة (OVC)، وهي منظمة لحقوق الانسان ومقرها قابس (جنوب تونس). لديها خبرة طويلة في تصميم وقيادة ورصد وتقييم برامج ومشاريع ريادة الأعمال الاجتماعية. وكانت باحثة زائرة في جامعة كولومبيا، وزميلة تشريعية في الكونغرس الأمريكي، حيث اكتسبت خبرة عملية في تحليل السياسات، ومقترحات الإصلاحات، والسياسات العامة، والمناصرة والتأييد. قد درّست أيضًا لأكثر من عشر سنوات في المدارس الرسمية التونسية.​

 


إنّ كافة الآراء الواردة في المدونة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي البوابة العربية للتنمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

إيناس العامري إيناس العامري
  • نرجو منك الدخول أولا لنشر تعليقاتك
التصنيف: 
0
لا يوجد أي تعليق حاليا

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات

  • لا يوجد أي تعليق.