مواطِن النجاح وأوجه القصور في وثائق "الرؤية" الاقتصادية الخاصة بدول مجلس التعاون الخليجي

كريستيان كوش, 31 مايو/أيار 2017
كريستيان كوش

سلّط الانخفاض الحاد في أسعار النفط ابتداءً من العام 2014 مرة أخرى الضوء على الحاجة إلى استراتيجيات تنويع اقتصادي واسعة النطاق يتم تنفيذها في دول مجلس التعاون الخليجي. ليس ذلك بالأمر الجديد، ففي الواقع، أقرّت قيادات دول مجلس التعاون الخليجي منذ فترة بالتحدي الذي يشكله الاعتماد الكبير على عائدات النفط كجزء من ميزانية دول المجلس السنويةـ وما انفكت تقوم بذلك مذاك الحين. على سبيل المثال، وقبل أربع سنوات من الكشف عن خطة التحول الوطني للمملكة العربية السعودية، قال وزير النفط السعودي السابق علي النعيمي في العام 2012 أنّ المملكة لا تستطيع الاستمرار في الاعتماد على النفط كمصدر للدخل إلى الأبد، وبالتالي، سيكون "من الأفضل تنويع الاقتصاد والتحوّل إلى التصنيع والانتقال إلى مجتمع المعرفة في نهاية المطاف." وبالمثل، حذّر رئيس الوزراء الكويتي الشيخ جابر المبارك الصباح في أكتوبر/تشرين الأول 2013 بأنّ "دولة الرفاه الحالية التي اعتاد الكويتيون عليها غير مستدامة."[1] وقد أتت هذه التصريحات في وقت بلغت فيه عائدات النفط مستويات غير مسبوقة – 50% و90% من إجمالي عائدات الحكومة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال 2012 و2015[2] – ولم يكن فيه دلالات كثيرة على أنّ فترة طويلة من انخفاض أسعار النفط باتت وشيكة.

 

وردًا على إدراك ضرورة وجود برامج إصلاحات اقتصادية أوسع نطاقًا، أصدرت دول مجلس التعاون الخليجي كلها ما يسمى بوثائق "الرؤية" التي تحدد استراتيجيات ترتيب أولوياتها من حيث كيفية تحقيق التنويع الحقيقي وتعزيز قدرات وطاقات القطاع الخاص ليصبح محركًا للنمو الاقتصادي العام وتعزيز آليات العمل التي يمكن من خلالها التخفيف من الاعتماد الكبير على العمّال الأجانب مع مرور الزمن. وكانت سلطنة عُمان أول دولة تصدر ما يسمى وثيقة الرؤية "رؤية عُمان 2020" في العام 1995، تلتها البحرين (الرؤية الاقتصادية 2030) وقطر (رؤية قطر الوطنية 2030) في العام 2008، فالكويت (رؤية الكويت 2035) والإمارات (رؤية الإمارات العربية المتحدة 2021) في العام 2010، وأخيرًا المملكة العربية السعودية مع استراتيجيتها "رؤية 2030" التي صدرت في العام 2016.[3] ومنذ ذلك الحين، تمّ تحديث العديد من هذه الوثائق أو إصدارها بأشكال جديدة بما في ذلك عُمان والكويت.[4]

 

وتشتمل الوثائق كلها على خطط تنمية متشابهة متوسطة إلى طويلة الأجل تسعى إلى مواكبة التقدم السريع للعولمة والحاجة إلى اقتصادات وطنية منافسة أفضل وأكثر جهوزية. خلال "الموجة" الأولى من وثائق "الرؤية"، كان التركيز على توفير إحساس عام وتطمين المواطنين بأنّ الحكومة كانت تفكّر بالفعل بالمستقبل والحاجة إلى برنامج إضلاح اقتصادي شامل وواسع. تمّ تطوير غالبية هذه الخطط، باستثناء خطة عُمان، في بيئة كانت تشهد أسعار نفط عالية. ونتيجةً لذلك، حدّدت وثائق الرؤية استراتيجية واسعة النطاق تتوجه نحوها الاقتصادات الوطنية، ولكن لم يكن ثمة حسّ بضرورة الاستعجال في تنفيذ العديد من هذه الخطط بالطريقة التي وضعت بها.

 

وفي وقت لاحق، وفي ما يمكن وصفه بأنه "موجة" ثانية من إصدارات "الرؤية"، كان هناك اعتراف بأنّ الاستراتيجيات المحددة سابقًا بحاجة إلى أن توضع على نحو أكثر دقة وواقعية.

 

وهكذا تمّ استبدال "رؤية عُمان" الصادرة عام 1995 باستراتيجية عُمان 2030 واستكملت بوثيقة طويلة المدى بعنوان "رؤية عُمان 2040". بشكل عام، يتضح أنّ معظم هذه الوثائق لم تحقق أهدافها و لم ترقَ إلى مستوى التوقعات. على سبيل المثال، كانت الخطة العُمانية تهدف إلى خفض حصة النفط كجزء من الناتج المحلي الإجمالي في سلطنة عمان من 41% في العام 1995 إلى 9% في العام 2020، ولم يتمّ بالفعل إنجاز أي تخفيض للحصة، بل قد ارتفعت إلى 47.2% في العام 2014، قبل أن تنخفض إلى 33.9% في العام 2015 بسبب انخفاض ايرادات النفط.[5] وبشكل عام، ظلّ دور النفط مهيمنًا في دول مجلس التعاون الخليجي كلها. وحتى في الإمارات العربية المتحدة حيث كانت جهود التنويع الاقتصادي الأكثر نجاحًا، ما زال النفط يساهم في الاقتصاد الوطني بنسبة 30%. وفي الوقت عينه، أعلنت الإمارات أنها تهدف إلى جعل نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الخمسين المقبلة صفر.[6]

 

يمكن أن نذكر أربعة أسباب رئيسية جعلت نتائج وثائق الرؤية محدودة. أولًا، لم ترتبط هذه الوثائق عمومًا بخطط عمل محددة قابلة للقياس. بدل ذلك، تسترت الكثير من الأهداف بعبارات عامة وغامضة. ثانيًا، كانت الوثائق متشابهة من حيث الاسلوب والتوصيات السياسة العامة، بالرغم مواجهة اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي لتحديات مختلفة. لم يكن ممكن ببساطة تطبيق استراتيجية واحدة تناسب الجميع. ثالثًا، وضعت الأهداف الاقتصادية بشكل مستقل عن بيئة الحكم التي ستُنفذ فيها. تمّ وضع العديد من وثائق "الرؤية" من منظور اقتصادي وليس اقتصادي-سياسي. وأخيرًا، استبعدت بيئة ارتفاع أسعار النفط السائدة منذ ما يقرب من 15 عامًا،أي من بداية القرن، الحاجة الملحة إلى تطبيق إصلاحات هيكلية واسعة النطاق بكل بساطة. ولم لم يكن ذلك ضروريًا جدًا، لأمكن إرجاء اتخاذ الإجراءات.

 

ومع ذلك، لا يعني ما تقدّم أنّ وثائق الرؤية لا تفي بأغراض هامة. على مستوى واسع، تستطيع هذه الوثائق حشد الجماهير للمضي قدمًا ولتحقيق توافق مجتمعي بأمس الحاجة إليه بشأن ضرورات الإصلاح الاقتصادي. وبالمثل، تحدّد وثائق الرؤية أهدافًا، حتى لو لم يتمّ دائمًا تحديدها بشكل دقيق. وعند دمج وثائق الرؤية بالمراجعات المنتظمة لتحقيق أهدافها، كما كان الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة، تستطيع هذه الوثائق أن تصبح مؤشرات على تحقيق إنجازات هامة. ويحافظ ذلك بدوره على الدعم في حالات تغيرت التوقعات الاقتصادية أو تحولت إلى أقل إيجابية.

 

في الوقت الذي أكدت فيه أسعار النفط مرة أخرى على الضرورة المطلقة لجهود التنويع بعيدًا عن الاعتماد الكبير على الدخل من الهيدروكربون، وكذلك الشعور العام بأنّه لا يمكن تجنب الإصلاحات الاقتصادية، ثمة فرصة سانحة وينبغي من خلالها الدفع قدمًا بتدابير أكثر صعوبة. وقد مهدت وثائق "الرؤية" الوطنية الطريق أمام الإصلاحات المماثلة. لقد حان الوقت المناسب لمراجعة مدى ملاءمتها وتكييفها مع الظروف الحالية.

 

[1]الكويت تحذّر من أنّ نظام دولة الرفاه "غير مستدام"، ا ف ب، [عبر الانترنت]. 28 أكتوبر/تشرين الأول 2013. متوفر عبر الرابط: http://english.alarabiya.net/en/business/economy/2013/10/28/Kuwait-warns-welfare-state-system-is-unsustainable-.html

[2] Diversifying Government Revenue in the GCC: Next Steps. صندوق النقد الدولي، ]عبر الانترنت[. تشرين الأول/أكتوبر 2016. متوفر على الرابط: https://www.imf.org/external/np/pp/eng/2016/102616.pdf

[3]يمكن الاطلاع على استراتيجيات البلدان على الشكل التالي:

البحرين، الرؤية الاقتصادية 2030، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط: https://issuu.com/economicdevelopmentboard/docs/bahrain_vision_2030

الكويت، رؤية 2035، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط:https://www.youtube.com/watch?v=uVYPXJ4H_DE

عمان، عمان 2020 (لمحة)، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط:http://www.arabianbusiness.com/oman-s-2020-vision-89986.html

قطر، قطر 2030، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط:file:///C:/Users/Chris/Downloads/Qatar_National_Vision_2030.pdf

المملكة العربية السعودية، رؤية 2030، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط:http://vision2030.gov.sa/en

الإمارات العربية المتحدة، رؤية الإمارات 2021، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط:https://www.vision2021.ae/en

[4] رؤية عمان 2040، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط http://www.globalarabnetwork.com/economics-and-development/economic-reports/13204-2040

الكويت، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط https://arabic.cnn.com/business/2017/01/30/kuwait-vision-2035

[5]التقرير السنوي 2015، مصرف عمان المركزي، [عبر الانترنت]، متوفر عبر الرابط:http://www.cbo-oman.org/annual/Annual_Report_2015.pdf

[6]وزير: دولة الإمارات تهدف إلى جعل نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي صفر، غولف نيوز، [عبر الرابط]، 11 أبريل/نيسان 2016: http://gulfnews.com/business/economy/uae-targets-zero-contribution-from-oil-to-gdp-minister-says-1.1708973

 

هذه المدونة كتبت أصلاً باللغة الانكليزية

 


د. كريستيان كوش هو مدير مركز الخليج للأبحاث في جنيف، سويسرا

 


إنّ كافة الآراء الواردة في المدونة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي البوابة العربية للتنمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

  • نرجو منك الدخول أولا لنشر تعليقاتك
التصنيف: 
0
لا يوجد أي تعليق حاليا

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات

  • لا يوجد أي تعليق.