صحة المصريين في ضوء تغيرات طارئة

أحمد رشاد, 05 ديسمبر/كانون الأول 2017

 

في عام 2015، وتحت الضغوط المالية قررت الحكومة المصرية التوجه إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار. صندوق النقد الدولي هو بمثابة الملاذ الاخير للدول التي تعاني من أزمات اقتصادية ومالية وغالباً ما يتطلب الحصول على القرض تنفيذ برنامج يُسمى ببرنامج الإصلاح الهيكلي .Structural Adjustment Program هذا وغالباً ما يتمحور برنامج الاصلاح الهيكلي أيضًا حول إعادة هيكلة اقتصادات الدول المقترضة إلى اقتصادات حرة. في مصر، قررت الحكومة تعويم الجنية مقابل العملات الأجنبية بالإضافة الى تقليص دعم الطاقة تدريجيًا واستحداث ضريبة القيمة المضافة من أجل خفض عجز الموازنة. لكن يظل من الصعب التنبؤ بأثر البرنامج على صحة المواطنين المصريين على المدى القريب والمتوسط. فمن ناحية يخفف القرض من الضغوط المالية، كما يبعث بإشارات إيجابية للمانحين والمستثمرين بأن الدولة تنتهج سياسة مالية سليمة، ومن ناحية أخرى، يتطلّب برنامج صندوق النقد الدولي تنفيذ سياسات اجتماعية قد يكون لها تداعيات على صحة المواطنين.

 

حقق برنامج الإصلاح الهيكلي عددًا من النتائج الإيجابية على مستوى الاقتصاد الكلي، أهمها ارتفاع معدل النمو الاقتصادي ليصل إلى 4.1% في عام  2017، وذلك بعد أن عانى الاقتصاد المصري من تباطؤ في معدل النمو الذي انخفض إلى 2% في الفترة الممتدة بين عام 2011 و2014. كما انخفض العجز الكلي في الموازنة في الربع الأول من عام 2017 إلى 5.4% من 6.4% في العام السابق. كذلك، ارتفع الاحتياطي الأجنبي إلى أعلى مستوياته منذ عام 2011 بعد تحرير الجنيه ليتخطى 36 مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، دفع البرنامج الحكومة المصرية إلى إقرار قانون جديد للاستثمار والذي يتوقع أن يساهم في زيادة التدفقات الاستثمارية الأجنبية.

 

على الرغم من هذه الإيجابيات، ترافق برنامج الإصلاح الاقتصادي مع العديد من التحديات. فقد أدى تحرير العملة وخفض الدعم على الطاقة إلى تضخم في الأسعار. إذ أفصح الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن وصول معدل التضخم السنوي إلى 33%  في سبتمبر 2017، الأمر الذي دفع البنك المركزي إلى رفع معدل الفائدة إلى 20%، وهو ما يمكن أن يزيد من التكلفة الاستثمارية. كما تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ما قبل تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، أن خمس السكان في مصر يعيشون تحت خط الفقر القومي، ويرجح أن يتسبب البرنامج الاقتصادي في زيادة هذه النسبة إلا أن ذلك يتطلب دراسة معمّقة.

 

من المبكر الآن إجراء دارسة حول أثر تنفيذ برنامج الإصلاح الهيكلي المذكور على صحة المصريين. لكن من الممكن عبر مراجعة الأدبيات الاقتصادية وتجارب الدول السابقة، فهم تلك العلاقة. وفقاً لاستعراض أدبي أجريناه، ثمة 13 دارسة تناولت موضوع تأثيرات برنامج الاصلاح الهيكلي، مماثل للبرنامج المتبنى في مصر، على صحة الأطفال والمرأة كمؤشر للصحة العامة [1-13]. قامت تلك الأبحاث بدارسة تأثير برنامج الإصلاح الاقتصادي للمؤسسات الدولية على العديد من الدول، بعضها ركز على القارة الأفريقية، وأخرى ركزت على الدول النامية ككل. في المحصلة، أظهرت 11 من أصل 13 دراسة أن لبرنامج الإصلاح الاقتصادي تأثيراً سلبيًا على صحة الأطفال والنساء. في المقابل، أشارت دارسة واحدة فقط أن برنامج الاصلاح الاقتصادي كان له تأثير ايجابي في خفض وفيات الاطفال، بينما وجدت الدارسة الأخيرة أن برنامج الاصلاح الاقتصادي لم يكن له أي أثر، سلبا أو إيجابا، على الصحة العامة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن لكل منطقة حيثياتها الخاصة بها، استعرضنا هذه النتائج السلبية بهدف فهم أسبابها الموجبة من قبل صانعي السياسات وذلك بغية تجنّبها.

 

بشكل عام، هناك ثلاث قنوات يتوقع أن يؤثر من خلالها برنامج الإصلاح الهيكلي على الصحة العامة للمصريين [14]. أوّلها، من خلال الضغط على الإنفاق الصحي العام. فقد تضطر الحكومات إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي وخفض أو وضع سقف لرواتب الأطباء لتخفيض عجز الموازنة، مما قد يؤثر بدوره على جودة الخدمات الصحية ويدفع بالأطباء إلى الهجرة. كذلك، من الممكن أن يؤثر برنامج الإصلاح الهيكلي، بشكل غير مباشر، على صحة المصريين عن طريق خفض قيمة العملة للدول المقترضة. في مصر، حيث خسر الجنيه المصري أكثر من نصف قيمته، قد يزيد تعويم العملة من تنافسية الصادرات، ولكنه أيضًا من الممكن أن يتسبب في رفع قيمة الواردات وأسعارها، ومن بينها المعدات الطبية والأدوية، وهذا بدوره يرجح أن يؤثر سلبًا على صحة المصريين.

 

هذا وشرع صانعو السياسات في مصر باتخاذ بعض الإجراءات للمحافظة على صحة المصريين وتحسينها، وأهمها تطبيق قانون التأمين الصحي الجديد. يسعي هذا القانون إلى توفير تأمين صحي شامل لجميع المصريين ويتكفل بتغطية تكاليف جميع الأمراض بحلول عام 2035. يقوم هذا القانون على مبدأ فصل الخدمة الصحية عن التمويل ويرتكز على ثلاث هيئات رئيسية هي هيئة الرعاية الصحية وهيئة التعاقد وهيئة الرقابة والجودة. يختلف القانون الجديد عن القانون الحالي في عدة جوانب أهمها في أن القانون الجديد يعتبر تكافليًا بين الطبقات الاقتصادية المختلفة. كذلك، تعتبر الأسرة، لا الفرد، النواة الأساسية لهذا القانون. وهو يعمل على توفير حوافز للقطاع الخاص من أجل دمجه في المنظومة الصحية الجديدة عن طريق خلق منافسة بين مختلف مقدمي الرعاية الصحية. كما يعتبر الاشتراك في التأمين الصحي إلزاميًا لجميع المواطنين المصريين. وبناء عليه، يسعى القانون لدعم الفقراء في مصر عن طريق تسديد اشتراكات لأفقر 30% من السكان. هذا وسوف يبدأ تطبيق قانون التأمين الصحي الجديد على عدد محدود من المحافظات، تمثل 3% من السكان كمرحلة أولية حتى عام 2022، ثم يمتد تدريجيًا ليشمل جميع السكان بحلول عام 2035.

 

وفي هذا السياق، يُتوقع من صانعي السياسات في مصر وفي ظل التحسينات المتوقع أن يشهدها القطاع الصحي، أن يأخذوا كافة الاجراءات التي تحول دون أن يكون لتداعيات برنامج الإصلاح الهيكلي أثر سلبيّ على صحة المصريين.

 

المراجع

 

  1. Coburn, C., M. Restivo, and J.M. Shandra, The African Development Bank and infant mortality: A cross-national analysis of structural adjustment and investment lending from 1990 to 2006. International Journal of Comparative Sociology, 2015. 56(3-4): p. 275-296.
  2. Coburn, C., M. Restivo, and J.M. Shandra, The African Development Bank and women’s health: A cross-national analysis of structural adjustment and maternal mortality. Social science research, 2015. 51: p. 307-321.
  3. De Vogli, R. and G.L. Birbeck, Potential impact of adjustment policies on vulnerability of women and children to HIV/AIDS in sub-Saharan Africa. Journal of health, population and nutrition, 2005: p. 105-120.
  4. Hajro, Z. and J.P. Joyce, A true test: do IMF programs hurt the poor? Applied Economics, 2009. 41(3): p. 295-306.
  5. Ikamari, L.D., An Upsurge in early childhood mortality in Kenya: a search for explanations. African journal of health sciences, 2004. 11(1): p. 9-20.
  6. Kawewe, S.M. and R. Dibie, The impact of economic structural adjustment programs [ESAPs] on women and children: Implications for social welfare in Zimbabwe. J. Soc. & Soc. Welfare, 2000. 27: p. 79.
  7. Pandolfelli, L.E., J. Shandra, and J. Tyagi, The International Monetary Fund, Structural Adjustment, and Women's Health: A Cross‐National Analysis of Maternal Mortality in Sub‐Saharan Africa. The Sociological Quarterly, 2014. 55(1): p. 119-142.
  8. Pandolfelli, L.E. and J.M. Shandra, The African Development Bank, structural adjustment, and child mortality: A cross-national analysis of sub-Saharan Africa. International Journal of Health Services, 2013. 43(2): p. 337-361.
  9. Pfeiffer, J. and R. Chapman, Anthropological perspectives on structural adjustment and public health. Annual Review of Anthropology, 2010. 39: p. 149-165.
  10. Pongou, R., J.A. Salomon, and M. Ezzati, Health impacts of macroeconomic crises and policies: determinants of variation in childhood malnutrition trends in Cameroon. International journal of epidemiology, 2006. 35(3): p. 648-656.
  11. Shandra, C.L., J.M. Shandra, and B. London, World bank structural adjustment, water, and sanitation: A cross-national analysis of child mortality in Sub-Saharan Africa. Organization & Environment, 2011. 24(2): p. 107-129.
  12. Noorbakhsh, F. and S. Noorbakhsh, The effects of compliance with structural adjustment programmes on human development in sub-Saharan Africa. The IMF, the World Bank and Policy Reforms, 2006: p. 47-61.
  13. Stubbs, T., et al., The impact of IMF conditionality on government health expenditure: A cross-national analysis of 16 West African nations. Social Science & Medicine, 2017. 174: p. 220-227.
  14. Kentikelenis, A.E., Structural adjustment and health: A conceptual framework and evidence on pathways. Social Science & Medicine, 2017.


أحمد رشاد باحث في اقتصاديات التنمية، اقتصاديات الصحة، والاقتصاد القياسي التطبيقي. حاصل على درجة الدكتوراه في التنمية الاقتصادية وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في الصحة.

 


إنّ كافة الآراء الواردة في المدونة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي البوابة العربية للتنمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

  • نرجو منك الدخول أولا لنشر تعليقاتك
التصنيف: 
0
لا يوجد أي تعليق حاليا

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات

  • لا يوجد أي تعليق.